أحمد ياسوف

409

دراسات فنيه في القرآن الكريم

ويرى ابن الزبير الغرناطي ( - 708 ه ) وهو ممن عني بالمتشابه اللفظي في القرآن الكريم ، أن التضعيف ( نزّل ) لم يرد لذكر التوراة إلا مرة واحدة كما في الآية الكريمة : مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ [ آل عمران : 93 ] ، وذلك لأن المراد أحكام التوراة الباقية ، فلمّا حرّم على بني إسرائيل ما حرّم كما في قوله عز وجل : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ [ النساء : 160 ] وعلموا بهذا التحريم أنكروا أن يكون قاصرا عليهم ، وادّعوا أنه يشمل الأمم السابقة ، فبيّن الحق أن التحريم وقع عليهم وأن حكمه ثابت مستقر » « 1 » . ويستخلص الزمخشري مفهوما دينيا من صيغ الفعل في الآية الكريمة : لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ [ البقرة : 286 ] . يقول : « فإن قلت : لم خص الخير بالكسب ، والشر بالاكتساب ؟ قلت : في الاكتساب اعتمال ، فلمّا كان الشر مما تشتهيه النفس ، وهي منجذبة إليه وأمّارة به ، كانت في تحصيله أعمل وأجدّ ، فجعلت لذلك مكتسبة فيه ، ولمّا لم تكن كذلك في باب الخير وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال » « 2 » . ولكن إذا كانت صيغة « اكتسب » تدل على الاعتمال الذي يناسب فكرة الشر ، فإننا لا نجد هذا مطّردا في سياق القرآن الكريم ، فقد ذكر الكسب في مضمار الشر ، مثل قوله تبارك وتعالى : وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً [ النساء : 111 ] . فنحن نوافقه في أن الخير طبع على الفطرة ، والشر تكلّف واعتمال

--> ( 1 ) راجع ملاك التأويل لابن الزبير : 2 / 286 - 289 . وسر الإعجاز ، د . عودة اللّه منيع القيسي ، ص / 121 - 122 . ( 2 ) الكشاف : 1 / 408 .